هذه القصة بمناسبة دخول العائلة المقدسة الى ارض الكنانة .. الى مصر
وطننا ... الذى ارتوت ارضه بدماء الشهداء الاطهار ... وبدماء كاروز الديار المصرية القديس العظيم الرسول مرقس البشير
ارجو انا تنال اعجابكم ...
.................................................................
هل مللتم من قصصى ؟ ...
اشعر اننى قد اصبحت ضيف ثقيل عليكم .. ولكن اعذرونى .. فانا نفسى افاجأ بأمور غريبة تثير الدهشة فى حياتى فى بعض الاحيان .. واسرع اليكم واقصها على مسامعكم .. ربما تسعدكم كما انها تسعدنى ايضاً ..اعرفكم بنفسى ربما يكون فى وسطكم احداً من اخوتى الجدد .. عذراً قولت اخوتى ! .. ولكنها المحبة كما تعلمون .. احم .. انا جحش صغير لم يتجاوز عمرى الستة اشهر .. اعشق حكايات المساء .. عندما يغيب القمر .. اجلس تحت اقدام امى .. تقص عليا اساطير .. روائع .. الحقيقة اننى اشعر انها واقعية تماماً .. انا نفسى عشت حكاية منها ان بحثتم فى مذكراتى السابقة قد تجدوها .. احم .. حسناً يكفى ثرثرة ... تبداء قصتى اليوم بالصدفة .. كنت ارى اصدقائى يسرعون صوب منزل الحكيم .. والحكيم هذا حمار عجوز .. طيب القلب جدا .. يلتف حوله ابناء البلدة من جحوش صغيرة و خراف ، ويقص عليهم قصص ممتعه مسلية عن مملكة البحور .. والجنيه .. ولكن فى هذا اليوم وجدت تجمهر كبير حوله وانصات شديد لكل كلامه ... فأقتربت من الجمع وانا استرق السمع اليه ... حقاً لقد جذب انتباهى الهمس الذى كان يصدر منه .. والكل اشرأبت اعناقه مفتوح الفم .. تحيط بوجوههم هالة من الذهول والانبهار .. والترقب ... وجلست بكل هدوء فى اخر الصف الذى كان على شكل نصف دائرة امام الحكيم .. بل على دوائر كثيرة جدا .. وانا فى المؤخرة وسمعته يقول :
كان منظره رائعاً جداً ، وتعلو الابتسامة وجهه طوال الطريق و .. ..
وهنا لم اتمالك نفسى ونهضت بأندفاع وانا اقول فى ترجى وبصوت عالى ايقظ الجميع من غفوتهم .. او من ذهولهم بمعنى ادق .. ارجوك ايها الحكيم لتقص الحكاية من البداية ... ارجوك ... تطلع كل الحاضرين الىّ .. بنفس المنظر المضحك للافواه المفتوحه و جمود الملامح ... وانتبهوا لتوقف الحكيم عن الكلام .. فثارت ثائرتهم على مقاطعتى للحكيم ... و علت الهمهمات والاعتراضات ... وهنا اشار اليهم الحكيم بالهدوء .. و سكت الجميع فجأه وكانهم مسحورين .. وتطلع الىّ بنظراته العميقة النافذة و سألنى : اين كنت ؟ .. تعلثمت اجابتى وانا اهتف بأرتباك وخجل : لم اكن حاضراً منذ البداية .. عذراً لمقاطعتى ... ابتسم فى هدوء وقال : حسناً يا بنى .. سأقص من البداية ..
وبداء الحكيم ...................................
كما قولت لكم يا ابنائى .. ان هذه القصة حقيقية بالفعل .. عشت احداثها لحظة بلحظة .. و كنت وقتها مازلت شاب فى ريعان شبابى .. قوى الجسم .. لا اكترث لاى مشكلة تقابلنى فى طريقى .. وكانت تحلو لى والدتى ان تصفنى بالارعن ... ابتسم الحكيم هنا وتابع يقول بنفس الصوت العميق الهادىء .. وكنت اسعد بذلك اللقب الذى يصف قوتى وطيشى وشبابى ... الى ان جاء ذلك اليوم
عادت الاعناق تمتد وكأنهم يسمعون لاول مره .. وتابع الحكيم وهو ينظر الى عيناى فخفضتهما فى خجل :
كانت رحلة مفاجئة .. هكذا فهمت من الحوار الذى دار بين سيدى والرجل الذى كان معه فيما بعد .. وبسرعة كبيرة تم الاعداد لكل شىء .. ايقظنى سيدى من نومى بصورة قاسية .. ووضع امامى الطعام والشراب .. واسرع يضع السرج على ظهرى قبل حتى ان افتح عيناى !! ... ماذا يفعل هذا الرجل المعتوه ؟ ... هكذا قولت لنفسى وقتها .. لم اكن ادرى ما يحدث حولى ... والحقيقة اننى كنت جائعاً جداً .. فاندفعت الى الطعام بشراهة وتركت سيدى يفعل ما يحلو له ... ما اجمل ان يوقظك احد لتأكل !
وقبل ان انتهى من طعامى كان سيدى يجرنى الى خارج الحظيرة .. حيث تقف فتاة وسيدة ورجل .... وطفل ...
اجتاحتنى قشعريرة باردة من رأسى حتى اخمص قدمى عندما وصل الحكيم الى هذه النقطة .. حتى هو توقف ... ونظر الىّ مره ثانية ... بنفس الابتسامة .. وعاد يروى
واعتلت الفتاة ظهرى وهى تحمل الطفل .. وقادنى الشيخ الذى كان معهم .. وسارت بجوارى السيدة الاخرى ... وسار الموكب تجاه الغرب
كانوا يتخذوا طريقاً صعباً ملتوياً وكنت اجد صعوبة كبيرة فى السير وخصوصاً اننى لم اكن قد استيقظت بالفعل .. وكان الظلام يحيط بنا كستار اسود سميك ، الى ان خرجنا خارج المدينة بالكامل .. حيث ضوء القمر .. واتخذنا طريقاً رملياً ، كان اشد صعوبة من الظلام والنعاس ، ولكنى كنت نشيط حقاً فى هذه الليلة التى لم تكن فى الحسبان .. كنت اطوى الطريق خلفى بهمة ونشاط .. وانا لا ادرى الى اين بالتحديد .. وكان يتسرب الى اذنى اصوات عذبة رائعه .. كانت للسيدة التى تسير بجوارى .. لم افهم منها حرفا واحداً ، ولكن يبدوا انها تسيبح او صلوات كما اخبرنى احد اصدقائى الذى يعمل مع راعى الكنيسة هنا فيما بعد ، ولكنها كانت تملأنى بالهدوء .. والنشاط .. والطمانينة ... وطوال ثلاث ساعات كاملة لم اكن اسمع سوى صوت التسبيح والصلوات فقط .. والحقيقة اننى اندهشت من عدم توقف هذه السيدة عن الكلام طوال هذه الفترة ! فألتفت اليها وانا كلى اندهاش ...
توقف الحكيم ... وسحب نفساً عميقاً .. واكمل
ولم اراها تتحدث مطلقاً !!! ... لم ارى شفتيها تتحركان ابداً ..
تعالت الهمهمات والشهقات من الجميع .. حتى انا اقشعر بدنى وتصبب عرقاً .. فى حين تطلع الينا الحكيم وأشار بيده لنتمالك اعصابنا و تابع :
كان هذا حقيقى بالفعل ... لم اكن واهم ابداً ، فأثار النعاس كانت قد تلاشت تماماً ... وكان القمر بدراً والهدوء فى عمق هذه الصحراء هو السمة الغالبة على المكان .. لذا .. تيقنت انه صوت لشخص او كائن لا اراه .. وعدت اخفض رأسى وانصت بهدوء الى تلك النغمات العذبة الرائعه .. ويستجيب لها كيانى وحواسى كلها .. وانا لا اشعر بقدمى ابداً .. كنت الفعل كمن يطير فوق الرمال ... ولا يسير ، وتوقفنا فى الطريق ، وهبطت الفتاه من على ظهرى وجلست مكانها السيدة الاخرى و حملت هى الطفل .. و لمحته ... كان رائع الجمال .. ملفوف فى قماش ابيض نظيف .. وعلى وجهه ابتسامة رائعه .. ابتسامة سيد و ..
لم اشعر بنفسى وانا انهض واقول له :
هل كنت تشعر انك تود السجود له ايها الحكيم ؟
تيقنت لخطأى فى مقاطعته للمره الثانية .. فتصبب وجهى عرقاً وخفضت عيناى فى خجل .. ولكن الحكيم نظر الى فى هدوء .. وابتسم ابتسامة واسعه و اجابنى :
حقاً يا بنى ... كان هذا شعورى ..
ابتسمت انا فى حياء شديد و لم ارفع عينى .. وقد شعرت ان الجميع ينظر الىّ .. وتابع الحكيم كلامه :
كان بالفعل منظره يشعرك انك امام سيد كبير .. ينبغى له السجود والاكرام .. وتابعنا السير .. وكانت رحلتنا مليئه بالعجائب والغرائب .. ربما اقصها عليكم ذات يوم .. اما الان فيكفى ما حكيته لكم على وعد بلقاء قادم
ظل الجميع قابع فى مكانه بضعة لحظات قبل ان يتحركوا الى منازلهم فى صمت عجيب كمن يسير بلا عقل .. والتفت الىّ الحكيم بابتسامته الهادئة واقترب منى وهمس فى اذنى :
من اخبرك بشعورى هذا يا بنى ؟
لا يتركنى هذا الخجل ابداً .. فقلت له : شعرت بهذا سيدى
فأتسعت ابتسامته .. ونظر الىّ بعمق لحظات .. وانصرف
كنت سعيد جداً .. وذهبت الى حظيرتى ولم ادخلها .. بل جلست خارجاً اتطلع الى القمر المضىء فى كبد السماء .. فهذا القمر يوماً ما ... راى الطفل .. والقى بضوءه عليه .. ورأى المعلم ..
كم احسده ..
ولم اشعر بنفسى بعدها .. فقد استغرقت فى نوم عميق بالخارج
وانا ابتسم ...






